السبت، 8 غشت 2009

ريم نجمي تحلق شعراً في «الأزرق السماوي»


إبراهيم الحجري

عن صحيفة العرب القطرية

تستفتح الشاعرة الشابة ريم نجمي مشوار امتهانها لحرقة الكلمات إرثا ثقيلا عن والديها الشاعرين حسن نجمي وعائشة البصري بباكورتها الشعرية البكر «أزرق سماوي» تفاؤلا بالعلائق الجميلة التي توحي بها السماء الزرقاء من انطلاق وتوثب وتحرر. وقد استعارت الشاعرة هذا الملفوظ الدلالي الخصب امتثالا لبعدها الرومانسي الذي تحيل عليه السماء في شساعتها وإدهاشها وكبرها وإعجازها للناس، وفي تضمنها للنجوم والكواكب والمجرات العليا، وهي رمز للتطلع للمعالي والطموح البعيد، وأيضا في بعدها الفلسفي المحيل على الغموض والسحر والارتباط بالنزوع العلوي للقيم والتصورات التعبدية وغيرها.. إن السماء المستعارة بأزرقها الرائع تصبح في تجربة الشاعرة، ومغامرتها في الكتابة ملاذا تهرب إليها من ضيق اللحظة، تقول الشاعرة:احضنيني أيتها السماء،ضاقت بي الأرضولم أجد مكانايسع فرحيويتضمن المنجز الشعري الصغير قصائد على أطباق موجزة، لكنها تحمل دلالات كبرى لا تسعها الجمل والعبارات والصفحات، بالنظر إلى إيحائيتها العميقة، وارتباطها بسياقات الدلالة التي تستمر خارج سجوف الكلمات والعبارات، وهي حتما تستمر بأبعاد استفهامية في مخيلة القارئ. وهذا هو المقصود من تكثيف المعنى وحصر العبارة وجعلها أكثر انبثاقا من الكون الشعري الفسيح الذي يراهن على اللقطة واللحظة والسياق الإنساني.ويمكن أن يقودنا التحليل النصي لقصائد الديوان إلى الوقوف على خمس لحظات شعرية:1 - مخاتلة الذات: وهي لحظة حاسمة في التشكل الشعري للشخصية التي تدخل عالم الشعر للعتبة الأولى بدهشة وتخوف من هذا العالم اللذيذ الذي يجمع بين الرهبة والمغامرة في آن واحد. وقد عبرت الشاعرة عن ذلك من خلال مقاطع بشكل واع أو بدونه، تقول:«ككل يوم سبتأحتفي بعزلتي الرائعة.أقترب من نفسيوأقبلها.....ككل يوم سبتأرش الغرف برائحة الحياةلأستعيد حواسي»ص/ ص 46-47ولعل التفكير في التحول الذي يجتاح الذات، والانشغال بمتاهات هذا التحول والانشطار، بولوج عالم الكتابة الشعرية، جعل الشاعرة تعيد صياغة التكوين الذاتي منذ الولادة العسيرة، والطفولة الراحلة، والعلاقة بالوالدين (وابن الشاعر يزداد نصف شاعر كما يقال، بغض النظر عن الموهبة والتمرس والتكوين والتجارب الشخصية).1-1- الولادة المستعارة:تقول الشاعرة:«هو يوم صاخب:صوت المطر،أجراس الكنائس،بكاء أمي،وصرختي الأولى.....................................لذلك،ما زلت أستشعر آلام المسيحمساميره في يدي»ص/ ص 40-41.إن استدعاء مرحلة الميلاد الخاصة تصحب بلحظة ميلاد قديمة، هي لحظة صلب المسيح، أو الاعتقاد بذلك، علما أن الكتب السماوية نفت ذلك، لكن الحدث كان بالنسبة للمسيح بداية ميلاد آخر، ينتقل من خلاله صوب الملكوت الأعلى لتدشين حياة سماوية بعيدا عن مضايق الأهلين، وانحصار الأرضين. لحظة ميلاد الشاعرة استعارة دلالية ممزوجة بطعم الأسطورة، مقترنة بالألم والصراخ: صراخ الأم، صراخ الأنا، صلب المسيح... وكل مؤشرات تعزز طاقة الألم المحسوس أثناء ولادة معنوية هي ولادة الشاعرة التي لها من الألم واللذة ما يضاعف الميلاد الفيزيولوجي.2- لحظة الانمساخ:في هذه المرحلة تفارق الذات ذاتها، وتصنع مسافة بين الذات والذات الأخرى لترى الأشياء بعين الحياد، وهي لحظة أساسية في طريق تشكل الذات الشاعر التي يفترض فيها أن تشعر بالآخر، وتتقمصه بعيدا عن التعصب لرغبات الذات ونزوعاتها، تقول الشاعرة:«انكسر وجهي في المرآةفاتكأت لأشرب صورتي»ص 61.3 - لحظة الحزن: هي لحظة مصاحبة لزمن دخول الكتابة، إن لم تكن الوازع لدخولها، فالكائن الشاعر يحظى بنفسية مغايرة، نفسية حساسة تجاه الأشياء، وشخصية رهيفة الإحساس. لذلك فالشاعرة لا تطيق تحمل ما يحدث في العالم من فظائع، فترى الحزن ديدنها، والبكاء ميسمها، والألم إحساسها البين. تقول الشاعرة:«لأن حياتي مزهرية،تختزن البكاءكانت أيامي ذابلة»ص 63.وتقول أيضا بضمير الغائب هاته المرة دلالة على المسافة المذكورة سابقا بين الذات والذات الأخرى، بين الوعي واللاوعي، وما هاته الذات الأخرى سوى صورة للذات نفسها، الذات المعذبة بحياة الآخرين، ومآسيهم، تقول:كانت ابتسامتهاجسرا بين نخلتين.أرهقتها خطوات الندى،وسعال الشمس عند المغيب.فاشتهت البكاء» ص 66.وتقول أيضا:توسدت كفي،داعبت شعري،وقصصت على نفسي حكاية، وبكيت»ص 45.4 - لحظة الألم: تشكل هاته اللحظة نتاجا حقيقيا وفعليا لكل ما مضى من اللحظات: الألم الولادة، الألم الذات، الألم التحول، الألم الانتشاء، الألم الكتابة، الألم الفرح... كل شيء لا بد أن يحضر فيه نصيب من الألم، لذاك فهو عنصر دلالي استراتيجي في بناء ليس القصيدة الشعرية فحسب، بل أيضا في بناء التجربة ككل ووسمها بالطابع الخاص بها. تقول الشاعرة بهذا الخصوص:ألم في القلبشيء ما في الحلق،وفي الظهر طعنة........................أدخلت يديفي جسدي،لأرتب هذه الفوضى،فاختلطت أوجاعي»ص 60.5 - لحظة الكتابة: الكتابة تشكل هنا، وفي أي معطى إبداعي، ذاتا وموضوعا، فبالأحرى، هنا مع ريم نجمي، لأنها العتبة، ولا بد للعتبة أن تحتضن سؤال التجربة، بيضة تشكلها الجنيني، السؤال المشرع على الآفاق الملغمة. وكان طبيعيا أن تومئ التجربة إلى طبيعة تكونها: سؤال الرداءة، سؤال الهوية الكتابية، سؤال الجنس الأدبي.... ويحضر الأب بوصفه الملاذ والحاضن والمرجع والداعم في أكثر من مرة. وقد اتخذ في المتن قصيدتين مستقلتين تحت عنوان «أبي» و «أبي مرة أخرى»، تقول:هو ذا أبييقطف الجراح في الممشى،حتى إذا تجولت في الحقوللا تدميني الكلمات»ص 50.وقد انتقدت الشاعرة الاحتفال بالرداءة في الشعر، داعية إلى تهذيب المواهب وصقلها، ودعم التجارب الجيدة، ساخرة من كل من سولت له نفسه الاستهزاء بالكلمات والحروف التي لها شأن كبير، تقول هازئة:راودته قصيدتهفي المرحاض،فاشتهى كتابتها...................في الأمسية الشعريةالتصقت الأكف بالأنوف،كانت القصيدة نتنة.ص 91.ولم تنس ريم أن تذكر إشكالاً طالما أرّق القصيدة نفسها، ألا وهو هروب المعاني، وشطحها المفارق أحيانا، أضف إلى ذلك أنها تنتقد القصائد التي تفرغ من المعنى الحقيقي المرتبط بالإنسان، إذ لا قصيدة بدون معنى، فهو الجوهر الذي لا محيد عنه، وهو السر في اكتشاف الحروف والكلمات. تقول ريم:تجرد من أبجديته الوردية،وكتبني بحروف مسمومة،ولأنني من سلالة الكلمات،لم يعد لي معنى»ص 87.لقد كانت البداية، وقدر البداية أن تدون بالدم والكلمات والمعاني، لذا فهي الأصل، وإذا ما قوي الأصل، دون شك سيكون للفروع امتداد في سماء الاختيار الذي كتبته الشاعرة ريم نجمي لمسارها الطويل والشاق حتما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق